الخطيب البغدادي
392
تاريخ بغداد
عما قرفت به ، وأخذني إليه ، ففك وثاقي ، قال : وتجمعت العامة وبالغوا في التشنيع علي ومتابعة رفع القصص في أمري ، فقلت لابن أبي دؤاد . قد كثر تجمع هؤلاء الهمج على وهم كثير ، فقال : ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ) [ البقرة 249 ] . فقلت : قد بالغوا في التشنيع على ، فقال : ( ولا يحيق المكر السيئ إلا باهله ) [ فاطر 43 ] . قلت : فإني على غاية الخوف من كيدهم ، ولن يخرج أمري عن يدك فقال : ( لا تحزن إن الله معنا ) [ التوبة 40 ] . فقلت : القاضي - أعزه الله - كما قال الصموت الكلابي : لله درك - أي جنة خائف * ومتاع دنيا - أنت للحدثان متخمط يطأ الرجال بنعله * وطء الفنيق دوارج القردان ويكبهم حتى كأن رؤوسهم * مأمومة تنحط للغربان ويفرج الباب الشديد رتاجه * حتى يصير كأنه بابان قال : يا غلام الدواة والقرطاس ، اكتب هذه الأبيات عن أبي عبد الله . قال : فكتبت له ، ولم يزل يتلطف في أمري حتى خلصني . حدثنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد الوكيل حدثنا إسماعيل بن سعيد المعدل حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال : قال أبو العيناء قال لي ابن أبي دؤاد : ما أشد ما أصابك في ذهاب بصرك ؟ قلت : خلتان ، يبدؤني قومي بالسلام ، وكنت أحب أن ابتدئهم ، وإني ربما حدثت المعرض عنى وكنت أحب أن أعرف ذاك فأقطع عنه حديثي . قال : أما من ابتدأك بالسلام فقد كافأته بحسن النية ، وأما من أعرض عن حديثك فما أكسب نفسه من سوء الأدب أكثر مما وصل إليك من سوء اجتماعه . أخبرني علي بن أيوب بن محمد بن عمران المرزباني أخبرني محمد بن يحيى حدثنا أبو العيناء قال قال لي المتوكل : قد أردتك لمجالستي . فقلت : لا أطيق ذاك ، وما أقول جهلا بمالي في هذا المجلس من الشرف ، ولكني رجل محجوب ، والمحجوب تختلف إشارته ويخفى عليه إيماؤه ، ويجوز على أن أتكلم بكلام غضبان ووجهك راض ، وبكلام راض ووجهك غضبان ، ومتى لم أميز هذين هلكت . فقال : صدقت ولكن تلزمنا فقلت : لزوم الفرض الواجب . فوصلني بعشرة آلاف درهم . قال وروى أن المتوكل قال : أشتهي أن أنادم أبا العيناء لولا أنه ضرير . فقال أبو العيناء : إن أعفاني أمير المؤمنين من رؤية الأهلة ، ونقش الخواتيم ، فإني أصلح .